علينا أن نحافظ على أرواح الجميع مسلمين ومسيحيين الأنبا مكاريوس معلقا على اغلاق الكنائس
صوره ارشيفيه




نيافة الانبا مكاريوس 





‏تمرّ الكنيسة عبر تاريخها، ومن وقت لآخر، بظروف استثنائية كالحروب والأوبئة وغيرها، تضطر معها الكنيسة إلى اتخاذ تدبيرات غير تقليدية، كأن تتحول إلى مستشفيات ميدانية أو مراكز لخدمة الوطن بشكل أو بآخر.
‏وكما قال قداسة البابا إنها مسئولية علينا أن نحافظ على أرواح الجميع مسلمين ومسيحيين، داخل الكنيسة وخارجها كما أن هذا الإجراء لا يمسّ الإفخارستيا ذاتها من جهة أنها تشفي ولا تنقل الأمراض.
‏إن قرار توقُّف القداسات هو تدبير من الكنيسة لمواجهة الخطر العام، يوجب الطاعة: «فقالَ صَموئيلُ: هل مَسَرَّةُ الرَّبِّ بالمُحرَقاتِ والذَّبائحِ كما باستِماعِ صوتِ الرَّبِّ؟ هوذا الِاستِماعُ أفضَلُ مِنَ الذَّبيحَةِ، والإصغاءُ أفضَلُ مِنْ شَحمِ الكِباشِ» (١صم١٥: ٢٢).
‏هذا القرار أظهر كم يحب الناس الكنيسة وكم يعشقونها وكيف أنها أمهم، بل صرّح كثيرون بأنهم كانوا يشعرون بالراحة لمجرد أن آخرين يرفعون عنهم الصلاة، وعن أولادهم وأيتامهم وأراملهم ومرضاهم وشيوخهم والمنتقلين، وعن المواشي والمياه والزروع والتجارة.
‏هذه الفترة أثمرت أنقى وأطهر وأقوى الصلوات الارتجالية من البسطاء، ومن أطفال أبرياء خرجت طلبات تهز الكون، وتسيل الدموع، وتنتزع الدهشة، وتشيع الفرح والرجاء.
‏يشعر الكثير من الآباء الكهنة بالإحباط نتيجة توقف القداسات، ولكنها فرصة للعمل الفردي، والدراسة، والبحث، والتأمل، وأخيرًا العودة إلى الخدمة من جديد باشتياق وشهية.
‏ وكلمة في أذن "أبونا": لعلنا الآن ندرك قيمة الشعب الذي نخدمه، وأنهم هم من يجعلوننا رعاة كما أنها فرصة لاختبار قدرتنا على الاختلاء، وفرصة لتعويض التقصير مع أسرنا.
‏أشعر أن هذه الفترة ستتحول إلى محطة هامة، لمراجعة أمور شتى في الحياة وليس علاقتنا بالله فقط، مثل علاقاتنا بالآخرين والمقتنيات والمال والأولويات، ونظرتنا للحياة بشكل عام.
‏هذه الفترة التي تُعَد محطة، سيقف عندها الرعاة والمؤرخون والحكام ورجال الأعمال ورجال الطب والتكنولوجيا، وستُدرَس من أوجه عدّة. إنها تذكّرنا بأسطورة اختفاء قارة أتلانتس من الوجود ولقد سمح الله أن نكون شهودًا عليها وجزءًا منها.
‏بقدر ما في الأمر من توتر، بقدر ما فيه من بركات، مثل: تعوُّد البقاء في المنزل، ولمّ شمل أسر كثيرة، وتقليص سهر الأبناء بالخارج، واقتراب الوالدين من الأبناء والتعرف عليهم أكثر، إلى الانتباه إلى ما يُذاع في القنوات المسيحية، إلى إظهار الحب للآخرين والخوف عليهم.
‏مما لاحظته أن الناس الأكثر رعبًا وقلقًا هم المتنعِّمون، والذين يأخذون من الدنيا كل ملاذّها ومتاعها ورفاهيتها، خوفًا من أن يُحرَموا منها؛ بينما البسطاء هم الأقل قلقًا لأنه ليس هناك ما يبكون عليه ولكن الحياة غالية يجب الحفاظ عليها لأنها هبة من الله.
‏نصيحة: عش يومًا بيوم، في فرح وشكر. افرح بكل خبزة تأكلها، وكل كوب ماء تشربه، وكل كلمة جيدة تسمعها، وكل ليلة هادئة تنامها، وكل إنجاز تنجزه، واشكر الله أنه أبقاك حتى الآن، وهو جُلّ ما يتمناه الكل وسط هذه الأعاصير.
‏ولكن لا تكن سلبيًا، تتفرغ لمتابعة ما يتناقله الآخرون حول الوبأ، وإنما شارك بقدر طاقتك في التخفيف عن الناس، وتقديم العون بشتى الطرق. اجعل كلماتك لينة مشجِّعة مبهجة، باعثة على التفاؤل والرجاء.
‏لا تمعن في الشفقة على مريض، ولا تسخر من خائف، ولا تستخفّ بالوضع الراهن، ولا تغلق أحشاءك نحو الآخرين.
‏إننا نعتب على من استغلوا الحدث استغلالًا رديًا، ما بين تاجر جشع، إلى واعظ أمسك بالسياط يبكّت ويؤنب وينذر بالويلات، إلى شامتين سواء بالحكومة أو الناس أو دور العبادة والكتب المقدسة، وكمن يفرح في بلية الآخرين؛ ونسوا أننا جميعًا في مركب واحد، يجب أن نجدف معًا وإلّا سنغرق سويًا.
‏إن تصريح الرب بأنه «لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى»، معناه إن المريض لابد أن يلجأ إلى الطبيب. ويقول ابن سيراخ: «ثم اجعل موضعًا للطبيب، فإن الرب خلقه ولا يفارقك فإنك تحتاج إليه.» (سيراخ 38: 12).
‏الانتصار الحقيقي في هذا المعترك، هو أن تنتصر على خوفك، وعلى خطاياك، وعلى تشكيك الشيطان؛ فيومًا ما سنموت، وتتبقّى الحقيقة الأكيدة وهي: كيف سنقف أمام الله الديان؟
‏من أقوال القديس الذهبي الفم: "ستعود بقوة أعظم"، ويقول الرب: «لُحَيظَةً ترَكتُكِ، وبمَراحِمَ عظيمَةٍ سأجمَعُكِ.» (إشعياء 54 : 7).
‏يبدو أن ما يحدث هو لسقوط وقيام كثيرين.



#انبا_مكاريوس